ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
191
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
فمن ذلك ما ورد في القرآن الكريم ، نحو قوله تعالى : أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فإنه كنى عن الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله ، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله ميتا ، ثم جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة ؛ فهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة للمعنى الذي وردت من أجله ؛ فأما جعل الغيبة كأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله فشديد المناسبة جدا ؛ لأن الغيبة إنما هي ذكر مثالب الناس وتمزيق أعراضهم ، وتمزيق العرض مماثل لأكل الإنسان لحم من يغتابه ؛ لأن أكل اللحم تمزيق على الحقيقة ، وأما جعله كلحم الأخ فلما في الغيبة من الكراهة ، لأن العقل والشرع مجتمعان على استكراهها آمران بتركها والبعد عنها ، ولما كانت كذلك جعلت بمنزلة لحم الأخ في كراهته ، ومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان آخر ، إلا أنه لا يكون مثل كراهته لحم أخيه ، فهذا القول مبالغة في استكراه الغيبة ، وأما جعل اللحم ميتا فمن أجل أن المغتاب لا يشعر بغيبته ولا يحس بها ، وأما جعله ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة فلما جبلت عليه النفوس من الميل إلى الغيبة والشّهوة لها مع العلم بقبحها ؛ فانظر أيها المتأمل إلى هذه الكناية تجدها من أشد الكنايات شبها ؛ لأنك إذا نظرت إلى كل واحدة من تلك الدلالات الأربع التي أشرنا إليها وجدتها مناسبة لما قصدت له . وكذلك ورد قوله تعالى : وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطوها والأرض التي لم يطئوها كناية عن مناكح النساء ، وذلك من حسن الكناية ونادره . وكذلك ورد قوله تعالى : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا فكني بالماء عن العلم وبالأودية عن القلوب وبالزبد عن الضلال ، وهذه الآية قد ذكرها أبو حامد الغزالي رحمه اللّه في كتابه الموسوم ب « إحياء اللّه علوم الدين » وفي كتابه الموسوم ب « الجواهر » و « الأربعين » وأشار بها إلى أن في القرآن الكريم إشارات وإيماءات لا تنكشف إلا بعد الموت ، وهذا يدلّ على أن الغزالي رحمه اللّه لم يعلم أن هذه الآية من باب الكنايات الذي لفظها يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز .